ابن حمدون

209

التذكرة الحمدونية

قال : فبكت حتى سمعت نحيبها من وراء الحجاب ، ثم قالت : إني معجلة الرحيل إلى بلادي إن شاء اللَّه ، واللَّه ما من بلد أبغض إليّ من بلد أنتم فيه . قال : ولم ذاك ؟ فو اللَّه لقد جعلنا أباك صدّيقا ، قالت : يا ابن عباس ، أتمنّ عليّ برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ؟ فقلت : ما لي لا أمنّ عليك بمن لو كان منك لمننت عليّ [ 1 ] . « 946 » - وقال بعض أصحاب الرشيد : كنت واقفا على رأس الرشيد وقد دخل عليه عبد الملك بن صالح ، فأقبل عليه الرشيد فقال : كأني أنظر إلى شؤبوبها وقد لمع ، وإلى غبارها وقد سطع ، وإلى الوعيد وقد أورى نارا ، وقد كشف عن لهازم بلا حلاقم ورؤوس بلا غلاصم ، فمهلا مهلا يا بني هاشم ، لا تستوعروا السّهل ولا تستسهلوا الوعر ، ولا تبطروا النعم ، ولا تستجلبوا النقم ، فعن قليل يذمّ ذو الرأي منكم راية ، وينكص ذو الحزم منكم على عقبيه ، وتستبدلوا الذّلّ بعد العزّ ، وتستشعروا الخوف بعد الأمن . فقال عبد الملك : يا أمير المؤمنين ، أفذّا أتكلَّم أم تواما ؟ قال : بل فذّا ؛ قال : إن للَّه عليك حقا فيما ولاك فأده ، واحفظه في رعيّته ، ولا تجعل الكفر في موضع الشكر ، ولا العقاب موضع الثواب ، ولا تقطع رحمك التي أوجب اللَّه عليك صلتها ، وألزمك حقّها ، ونطق الكتاب بها ، فإنّ عقوقها كفر ؛ وجاز ذا الحقّ على حقّه ، ولا تصرف الحقّ إلى غير أهله ؛ جمعت عليك القلوب بعد افتراقها ، وسكَّنتها بعد نفارها ، وشددت أواخي ملكك بأشدّ من أركان يلملم ، وكنت كما قال أخو بني جعفر ابن كلاب : [ من الرمل ] ومقام ضيّق فرّجته بلساني ومقامي وجدل

--> « 946 » نثر الدر 3 : 96 ( مع اختلاف ) والعقد 2 : 154 وزهر الآداب : 659 والشعر للبيد ( ديوانه 193 - 194 ) .